كُن أصمـاً ، أبكمـاً ، أعمى

بـقلَـم / مريَّـم ياسِـر فوزي
ظهر الكثيـر من تفاصيل حياة الآخرين في وقتنا الحالى ، بمساعدة الـ Social media ، ومن يستخدمونها كمصدر رزق لهم عن طريق نشر حياتهم ، أو _بالمعنى الصحيح_ “حياتهم المزيفة” ؛ لجذب انتباه الناس ، فانقسم الناس إلى قسمين :
منهم من يجذب غيره بسفره ونظام حياته المثالى الزائف ، ومنهم من يستغل مشاكله لجذب تعاطف الآخرين ، ومنهم من يفتعل الأكاذيب والمشاكل فقط ليصير “تريند” كما نقول الآن
أصبح شائعـاً أن يفضح الإنسان غيره على الـ Social media ، وأصبحنا نستطيع الدخول إلى بيوت الآخرين ونحن فى أماكننا فقط عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي ، لم تعد للبيوت حُرمات ، لم يعد هناك سر ، ولم تعد هناك خصوصيـة ، بل أصبح الناس يعطون لأنفسهم الحق في التدخل في حياة غيرهم أو إيذائهم بالكلمات أو..أو.. ، لمجرد أنهم يرون هذا حقـاً مكتسباً فقط لأن هؤلاء الأشخاص نشروا عن حياتهم على الـ Social media
انتشرت حالات الانتحار بسبب الكلام الجارح والمؤذى عن طريق هذه الشاشات الافتراضية ، فقط لأن هناك أشخاص مرضي نفسيين يعطون أنفسهم الحق في نشر أمراضهم النفسية بين الناس وإيذائهم بالكلام الجارح
رأينا أناسـاً غيروا مبادئهم فقط ليصبحوا “تريند” أو لإرضاء متابعيهم ، رأينا رجالاً تخلوا عن رجولتهم ونخوتهم في الحفاظ على زوجاتهم وبناتهم من أعين الناس فقط ليحصلوا على الشهرة ، التى لا يعلمون أنهم بمجرد الحصول عليها بهذه الطرق يفقدون مقابلها احترام الناس لهم ، ويفقدون خصوصيتهم
رأينا نساءً محجبات أو متدينات تخلوا عن دينهم وعن حجابهم فقط ليواكبوا هذا الـ “تريند” ، أصبح الأمر هوسـاً عند الكثيرين
وعلى الرغم من هذا فالكل يعلم بداخله أن هذا خطأ كبير ، وأن “التريند” أو الـ Social media أصبحت دوامه تسحب الناس إليها دون أن يشعروا
أما القسم الآخر من الناس ف هو المتابعون أو المتفرجون ، أو كما أحب أن أُطلق عليهم اسم “المتتبعون لعورات غيرهم” ، أصبح شغلهم الشاغل هو حياة المشاهير الزائفين ، وكيف يقضون أوقاتهم ، ما مشكلة هذا ؟ ، ولماذا تطلق هذان الزوجان ؟ ومن يشتم من ؟ ومن يضرب من؟ ومن على خلافٍ مع من ؟
ما شأنكم بكل هذا ؟ ولماذا تضيعون أوقاتكم وأعماركم في هذا الوهم الزائف؟ وأين أنتم من حياتكم؟ ماذا تحققون ؟ ولماذا برمجتم عقولكم على تتبع حياة الآخرين ، أين انشغالكم بأنفسكم ؟
الجميع يعلم أننا سنموت يومـاً ، هل في قبرك ستُسأل عن هؤلاء الذين تتابعهم؟ هل ستُسأل لماذا لم تصبح “تريند”؟ ، وهل ستُسأل عن مشاكل هؤلاء الزائفين؟
في الحقيقة لن تُسأل عن أى مما تشغل به حياتك الآن ، بل ستُسأل عن الأشياء التى أهملتها رغم أنها هى التى ستبقي لك
ستُسأل عن حياتك ، عن الثوانى والدقائق التى أهدرتها ، عن الطاعات التى أضعتها ، ستُسأل عن “المتابعات” و “اللايكات” التى وضعتها على كل ما هو محرم ولا يُرضي الله ، من موسيقي وغناء وغيرهم.. ، ستُسأل عن صلاتك التى أخرتها ، ستُسأل عن تقصيرك في تعلم ما ينفعك ، وعن شبابك فيمَ أفنيته ؟
لن تُسأل عن غيرك ، فلماذا أصبحت حياتك عبارة عن متابعة حياة غيرك ؟
ولماذا أصبحنا نقتدى بالمشهورين بغض النظر عن سبب شهرتهم هل هو سئ أم جيد فقط لأنهم مشهورون ؟ ، ولماذا تخلى الكثيرون عن مبادئهم واحترامهم لأنفسهم بسبب دوامة الـ Social media ؟
ما تفعله فى أوقاتك يعكس احترامك لنفسك أولاً ، فإذا كنت تتعلم وتقرأ وتتطور وتستغل وقتك فيما ينفعك فأنت تحترم ذاتك ، وبالتالى سيحترمك أصحاب العقول ، وستكون أعددت إجابةً مُرضيةً عن كيف أفنيت عمرك ، أما إذا قضيت وقتك في تتبع عورات غيرك ، ومتابعة حياتهم ، وتضييع أوقاتك فيما يضر ولا ينفع ، إذا أنت لا تحترم نفسك ، ولا تعطى لوقتك قيمة ، فلا تنتظر من غيرك أن يحترمك
ليس واجباً علينا أن نواكب ما يحدث الآن فقط لأن الجميع يفعله ، ليس علينا أن نتجاهل مبادئنا ونتخلى عنها لكى لا نصبح “دقة قديمه” أو “معقدين” في نظر بعض الجاهلين
حكِّم عقلك ، ولا تأخذ من الـ Social media إلا ما ينفعك ، فهناك لها منافع كثيره ولكنها تحتاج جهداً كبيراً للوصول إليها ، لأن السطح فيها أصبح مليئاً بالقاذورات التى لا تنفع في شئ ، فإذا أردت الوصول إلى الكنوز التى فيها ، ابذل جهداً وقم بالغوص في الأعماق لكى تتطور وتنجح ، ولا تقارن نفسك بهذا الزيف المنتشر ، ولا تُقيِّم ذاتك على أساسه ، بل قارن نفسك اليوم بنفسك أمس ، وقارنها بمبادئك وقيمك وأخلاقك ودينك
وأما عمَّـا نراه في هذا العالم الافتراضي المدمر ، وهذه الـ “Social media” ، فَـكُن عن مساوئهـا أصمـاً ، أبكمـاً ، أعمى .



