نور علي صمد
في الريف حيث تستيقظ المرأة مع الفجر لتزرع الأرض وتؤمّن الغذاء وتعتني بأسرتها تخوض معركة يومية في مواجهة الفقر وشح الموارد وضعف الخدمات الصحية ومحدودية فرص التعليم والعمل ورغم دورها المحوري في الأمن الغذائي واستقرار الأسرة لا تزال كثير من النساء الريفيات يواجهن تحديات تحرمهن من حقوق أساسية وفرص عادلة للحياة الكريمة.
ومن هذا الواقع جاءت الندوة العلمية الدولية حول المرأة الريفية تحت شعار (تحمل الأرض.. وتنسى حقوقها ) تزامنًا مع اليوم العالمي للمرأة الريفية بمشاركة أكاديميات ومشاركات من مصر والسودان وإقليم كردستان العراق لمناقشة واقع المرأة الريفية والمخاطر الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها والبحث عن حلول تعزز حضورها في التنمية وصناعة القرار.
وسلطت محاور النقاش الضوء على الأعباء التي تتحملها المرأة الريفية في الزراعة والإنتاج الغذائي ورعاية الأسرة في ظل محدودية الوصول إلى التمويل والتدريب وامتلاك الأراضي فضلًا عن صعوبة الحصول على الرعاية الصحية وخدمات الأمومة والصحة الإنجابية والفحوص المبكرة ومخاطر الإجهاد البدني والتعرض للمبيدات إلى جانب تحديات التعليم والحماية الاجتماعية.
فهذه القضايا أكدت أن معاناة المرأة الريفية لا تنفصل عن واقع مجتمعها وأن تمكينها ليس مطلبًا اجتماعيًا فحسب بل ضرورة لتعزيز الأمن الغذائي وتحسين الصحة العامة وتحقيق التنمية المستدامة
وفي ضوء القضايا المطروحة تبرز مجموعة من التوصيات العملية التي تستدعي اهتمام المؤسسات الحكومية والأكاديمية والمنظمات المعنية والمتمثلة في :
-تعزيز الرعاية الصحية من خلال توسيع خدمات الوحدات الطبية المتنقلة وتوفير الفحوص الدورية والكشف المبكر عن الأمراض وتحسين خدمات الأمومة والصحة الإنجابية في المناطق الريفية والنائية.
-التمكين الاقتصادي وذلك من خلال توفير التمويل الميسر للنساء ودعم المشروعات الصغيرة والتعاونيات الزراعية وتطوير مهارات الإنتاج والتسويق وتعزيز فرص امتلاك الأراضي والموارد الإنتاجية.
-ضرورة حصولها على التعليم والتدريب المهني والرقمي وضمان فرص تعليم أكثر عدالة للفتيات والنساء الريفيات.
-الحماية وتحسين ظروف العمل عبر تعزيز الحماية الاجتماعية والتوعية بمخاطر المبيدات والإجهاد البدني وتحسين الوصول إلى المياه النظيفة والطاقة والخدمات الأساسية.
-المشاركة في صنع القرار وذلك من خلال اشراك النساء الريفيات في إعداد السياسات والبرامج التنموية والاستفادة من خبراتهن في تحديد الاحتياجات وصياغة الحلول.
-تعزيز الشراكات عبر توسيع التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والمنظمات النسوية والصحية والتنموية وتبادل الخبرات العربية والدولية ومتابعة تنفيذ التوصيات وتقييم أثرها على حياة النساء.
فقيمة الندوات العلمية لا تُقاس بما تطرحه من أفكار فحسب بل بما تتركه من أثر في حياة الناس فالمرأة الريفية لا تحتاج إلى كلمات الإشادة وحدها وإنما إلى خدمات صحية تصل إليها وفرص اقتصادية تحفظ استقلالها وحقوق تصون كرامتها وصوت حاضر في القرارات التي ترسم مستقبلها.
إنها المرأة التي تزرع الأرض لتطعم الآخرين بينما قد تعجز عن تأمين أبسط احتياجاتها وتحمل أعباء الأسرة بصمت فيما تنتظر من المجتمع أن يحمل عنها بعض هذا العبء.
ومن هنا فإن إنصافها ليس منّة ولا تكريمًا موسميًا بل حق أصيل ومسؤولية مشتركة فحين تحصل المرأة الريفية على الرعاية والفرص والعدالة لا تتغير حياتها وحدها بل تتحسن حياة أسرتها ويتعزز أمن المجتمع الغذائي وتصبح التنمية أكثر إنسانية واستدامة
فالوفاء للمرأة التي تمنح الأرض عطاءها يبدأ حين نمنحها نحن حقوقها لتعيش بكرامة وتعمل بأمان وتحصد من ثمار جهدها ما يليق بإنسانيتها.