لم يكن انخفاض مجاميع الثانوية العامة هذا العام مجرد رقم في كشوف النتيجة، بل تحول إلى علامة استفهام كبيرة تتردد في كل بيت مصري. فحين تتراجع المجاميع بصورة لافتة، يصبح من حق المجتمع أن يسأل: ماذا حدث؟ وهل ما جرى يعكس بالفعل مستوى الطلاب، أم أنه جزء من مرحلة انتقالية تعيد رسم ملامح التعليم في مصر؟
التعليم ليس مجرد امتحان، بل هو منظومة متكاملة تُبنى على الثقة. وعندما تهتز هذه الثقة، تبدأ الأسئلة في الظهور، لا الاتهامات. لكن تجاهل هذه الأسئلة لا يخدم أحدًا، بل يزيد مساحة الجدل ويغذي الشائعات.
اليوم، ومع الحديث المتزايد عن تطبيق نظام البكالوريا، يجد كثيرون أنفسهم يربطون بين انخفاض المجاميع وبين الرغبة في إقناع المجتمع بأن نظام الثانوية العامة التقليدي لم يعد صالحًا، وأن البديل هو الحل الوحيد. وربما يكون هذا الربط صحيحًا، وربما يكون مجرد انطباع صنعته المصادفة، لكن المؤكد أن غياب التفسير الرسمي المقنع يترك الباب مفتوحًا لكل الاحتمالات.
إذا كانت الامتحانات أكثر دقة هذا العام، فليُعلن ذلك بشفافية، وإذا كانت المناهج أو أساليب التقييم قد تغيرت، فمن حق الطلاب وأولياء الأمور معرفة فلسفة هذا التغيير. أما أن يستيقظ الجميع على نتائج أقل من المتوقع دون تفسير كافٍ، فهذا لا يحقق الاستقرار النفسي ولا يعزز الثقة في منظومة التعليم.
ويبقى السؤال الأهم،هل سيؤدي انخفاض المجاميع إلى انخفاض الحد الأدنى للقبول بكليات القمة، أم أن الطلاب سيدفعون ثمن تجربة انتقالية لم تتضح معالمها بعد،فالتنسيق لا يعرف سوى الأرقام، لكن خلف كل رقم طالب اجتهد، وأسرة أنفقت، وأحلام تنتظر فرصة عادلة.
إن تطوير التعليم ضرورة لا يختلف عليها اثنان، لكن التطوير الحقيقي لا يبدأ بإقناع الناس بأن القديم فشل، وإنما بإثبات أن الجديد أفضل. ولا يمكن لأي نظام تعليمي أن ينجح إذا بدأ رحلته وسط حالة من الشك والارتباك.
لسنا ضد البكالوريا، ولسنا مع بقاء أي نظام لمجرد أنه اعتدنا عليه. نحن مع تعليم عادل، واضح، ومستقر، يحكمه معيار واحد هو تكافؤ الفرص. أما إذا أصبح الطالب يشعر بأن قواعد اللعبة تتغير في كل عام، فإن الخاسر الحقيقي لن يكون نظامًا أو وزيرًا، بل مستقبل أجيال كاملة.
ويبقى السؤال الذي يستحق إجابة صريحة من صناع القرار،هل ما شهدناه هذا العام كان نتيجة طبيعية لمعايير تقييم أكثر دقة، أم أنه بداية عملية انتقال مقصودة لتهيئة الرأي العام لقبول نظام البكالوريا، وحتى تأتي الإجابة الرسمية، ستظل علامات الاستفهام أكبر من المجاميع نفسها، فالمجتمع من طلاب وأولياء أمور يطرحون هذه الأسئلة التي تدور في رؤوسهم علي مائدة وزير التربية والتعليم.