نور علي صمد
ليست كل يدٍ تمتد في الشارع تبحث عن المال فحسب فخلف كثير من الأيادي حكايات من الفقر وأعباء أسرية ثقيلة وأزمات اقتصادية واجتماعية دفعت نساءً إلى مواجهة خيارات قاسية بين تأمين لقمة العيش والحفاظ على كرامتهن ومن هنا لا يمكن النظر إلى ظاهرة تسول النساء باعتبارها مجرد مشهد عابر في الشوارع بل بوصفها قضيةإنسانيةواجتماعية تكشف حجم الهشاشة التي تعيشها بعض الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمعات العربية.
بهذه الرؤية الإنسانية والعلمية عقدت مساء الخميس 5 نوفمبر 2026م عبر الزوم فعاليات المنتدى العلمي الدولي الذي نظمته مؤسسة BRC العلمية الدولية بالعراق تحت عنوان ظاهرة النساء المتسولات في المجتمعات العربية سيكولوجيا العوز وسوسيولوجيا الهشاشة ومفارقة الكرامة والبقاء وبالشعار الإنساني حين تمد المرأة يدها طلباً للبقاء.. ماذا تكشف ظاهرة المتسولات عن واقع المجتمعات؟
وشكّل المنتدى الذي ادرته باقتدار الدكتورة ريهان محروس الفخراني محاظر القانون المدني بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية مساحة علمية وحوارية جمعت نخبة من الأكاديميين والباحثين من عدد من الدول العربية لمناقشة أبعاد الظاهرة والبحث في جذورها النفسية والاجتماعية والاقتصادية وما تفرضه من مسؤوليات على المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني بعيداً عن الأحكام المسبقة أو اختزال معاناة النساء في صورة نمطية واحدة.
وتنوعت المداخلات العلمية بين تشخيص الأسباب البنيوية للفقر والهشاشة وتحليل آثار الحروب والنزوح والتفكك الأسري وضعف الحماية الاجتماعية وصولاً إلى الأبعاد النفسية والإنسانية التي تعيشها المرأة حين تجد نفسها مضطرة إلى طلب المساعدة في الفضاء العام.
وفي هذا السياق تناول الأستاذ الدكتور حسين حسين زيدان من العراق والأستاذ الدكتور حسن عالي من الجزائر الجذور الاقتصادية والاجتماعية للفقر مؤكدين أهمية فهم الظروف التي تدفع النساء إلى التسول وعدم الاكتفاء بالتعامل مع النتائج الظاهرة دون معالجة الأسباب العميقة.
من جانبه سلط الدكتور وليد بوسعيدي من تونس الضوء على تأثير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في اتساع دائرة الهشاشة فيما تناولت الدكتورة هناء عمر كازوز من ليبيا والدكتورة ريم برو من لبنان انعكاسات الحروب والنزوح وفقدان الاستقرار الأسري على أوضاع النساء وما يترتب على ذلك من تراجع مصادر الحماية والدعم.
وفي مقاربة سوسيولوجية للظاهرة قدمت الدكتورة حكيمة الحجار من المغرب والدكتورة لبنى ناجي الهتاش من العراق والدكتور حسان بوسرسوب وعلي زواوي من الجزائر قراءات تناولت علاقة التسول بالتهميش الاجتماعي وضعف شبكات التكافل والحماية وما تكشفه الظاهرة من اختلالات في منظومة العدالة الاجتماعية.
كما حملت مداخلات الدكتورة عائشة كجمان من ليبيا والباحثتين فايزة الزعلي من المغرب ونجوى محفوظ صافي من فلسطين أبعاداً إنسانية تناولت ما تواجهه المرأة من ضغوط نفسية واجتماعية وما يرافق طلب المساعدة من مشاعر الانكسار والخوف على المكانة والكرامة في ظل الحاجة الملحة إلى البقاء وإعالة الأسرة.
وشهد المنتدى نقاشات ومداخلات بين المشاركين أكدت ضرورة الانتقال من توصيف الظاهرة إلى وضع معالجات عملية ومستدامة تقوم على فهم الظروف المختلفة للنساء المتسولات والتمييز بين الحالات التي فرضت عليها الحاجة واقعاً قاسياً وغيرها من الحالات التي قد تحكمها عوامل مختلفة.
حيث اكدت النقاشات أن مواجهة الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على المعالجات الأمنية أو الإجراءات المؤقتة وإنما تتطلب سياسات اجتماعية واقتصادية أكثر شمولاً تضمن الوصول إلى النساء المعيلات والأسر المتعففة وتوفر لهن فرص العمل والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.
وخرج المنتدى بعدد من التوصيات التي تستهدف تعزيز الاستجابة العربية لهذه القضية أبرزها :
-إنشاء مرصد عربي مشترك لرصد وتتبع ظواهر الهشاشة المجتمعية وتقديم دراسات صانعة للقرار.
-تفعيل دور شبكات الأمان الاجتماعي ومؤسسات المجتمع المدني لدعم المرأة المعيلة والأسر المتعففة قبل وصولها لمرحلة التسول.
-صياغة برامج تمكين اقتصادي مستدامة تحفظ كرامة المرأة وتوفر لها مصادر دخل كريمة وآمنة.
-إطلاق حملات توعوية مجتمعية لإعادة إحياء ثقافة التكافل الحقيقي والتصدّي للتهميش المنهجي الذي تتعرض له الفئات الأكثر ضعفا.
– تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية وتكثيف حملات التوعية المجتمعية لترسيخ ثقافة التكافل ومواجهة التهميش والوصم الاجتماعي مع إيلاء الاهتمام اللازم للدعم النفسي وإعادة دمج النساء المتضررات في المجتمع.
هذا وكانت الدكتورة نرمين ماجد مدير مركز بيلر للبحث العلمي وادارة ألأزمات بتركيا وبريطانيا قد القت الكلمة الافتتاحية للمنتدى فيما قدم رئيس مؤسسة BRC العلمية الدولية الدكتور ميثاق بيات الضيفي مداخلة مختصرة عن ظاهرة النساء المتسولات في المجتمعات سيكولوجية العوز وسيكولوجية الهشاشة ومفارقة الكرامة والبقاء كانت المدخل لبدء المنتدى العلمي .
وختاما فالمجتمع الذي يحفظ كرامة نسائه لا يكتفي بالتعاطف مع معاناتهن بل يعمل على إزالة الأسباب التي جعلت الحاجة تقف بهن على قارعة الطريق.